أخبار وطنية المنصف بن مراد يكتب: الضّغوطات والامتحان الـمـرّ ليوسف الشاهد
بعد أن أعلن السيد يوسف الشاهد تركيبة حكومة الوحدة الوطنيّة، عبرت أغلب الأحزاب عن مواقفها وكأنّ كل حزب هو «الحاكم» في البلاد، وفي هذا الصّدد يجدر التذكير بأنّ أحزاب الترويكا أضرت ـ خلال حكمها ـ بتونس وبأنّ مهدي جمعة أخفق، ثم أثبت نداء تونس الفائز في انتخابات 2014 انه غير قادر على تسيير البلاد بتخلّيه عن وزارات السيادة، ثم جاءت مبادرة رئيس الجمهورية عندما أصبحت كل «الأضواء باللون الأحمر» لأنّ استمرار تونس كدولة اصبح في خطر، علما ان وثيقة قرطاج ذات التوجهات الاجتماعيّة الواضحة والتي أمضى عليها أبرز الأحزاب هي التي حدّدت البرنامج الحكومي للفريق الوزاري الجديد..
...ودون أن أسبق الأحداث، أقولها بكلّ وضوح، لو استسلم يوسف الشاهد لضغوطات الأحزاب لكان أضعف رئيس حكومة في تاريخ هذه البلاد. فأمّا ان يتمسّك بالقائمة التي قدّمها وهي في أغلبها متناسقة، وامّا أن يكون ضعيف الشخصيّة و«خادما» للأحزاب عوضا عن خادم للوطن ويتنازل ويرضخ للإملاءات وبذك يسيء لصورة رئيس الجمهورية الذي اختاره مرشّحا لرئاسة الحكومة!
لو خضع يوسف الشاهد لضغوطات بعض الأحزاب التي لا تراعي سوى مصالحها،فكيف يمكن له ان يشنّ حربا جدية على كبار المهرّبين والارهاب، ومن أين له أن يفرض العدالة الجبائيّة ويعيد هيبة الدولة والانضباط وينعش الاقتصاد؟
إنّه أوّل امتحان لرئيس الحكومة مع النهضة التي تريد حكومة «صديقة» ومع نداء تونس المنقسم بين كتلة برلمانية ومجموعة حافظ قايد السبسي (دون اي خبرة ونكرة سياسيا) والذي اقترح بعض الأسماء وفرضها وأيضا مع بعض الأحزاب الأخرى التي جعلت من الحكومة حكومة حزبية!
فمن عارض فكرة تكوين أقطاب وزارية مثل المالية والاقتصاد؟ ومن عارض منح ناجي جلول حقيبة وزارة التربية ووزارة التعليم العالي؟ وهل انّ وزيرة المالية لها ما يكفي من الكفاءة للتفاوض مع المنظّمات النقدية العالميّة ولتحديد سياسة جبائية مرتبطة بتصوّر اجتماعي مع احترامنا لشخصها؟
صباح الاثنين وعند الانطلاق في كتابة هذه الافتتاحيّة تفاءلت خيرا بحكومة الشاهد لكن بعد رضوخه لضغوطات الأحزاب ومصالحها الضيّقة صرت متشائما ناهيك أنّي طالبت مرارا وتكرارا بحكومة حديديّة تقطع مع المحاصصة واقتسام «الكعكة».
وها إنّ بعض الأحزاب الفاعلة تحاول اليوم الضغط على رئيس الحكومة حتى يقرأ لها ألف حساب في ما يتعلّق بقراراته وإن كان يوسف الشاهد مسنودا من رئيس الجمهورية، كما تُذكره بأنّها الوحيدة القادرة على تقليده مسؤولية رئاسة الحكومة..
في ما يخصّ تعيين وزراء وكتاب دولة شبان هذا قرار ايجابي، مثال ذلك تعيين سيدة الونيسي من حزب النهضة ـ وسنها لا يتجاوز 29 سنة ـ ككاتبة دولة مكلّفة بالتكوين المهني، فهي من المع النساء التونسيات وقد اكتشفت خصالها حين دعوتها الى راديو كلمة حيث لمست مرونتها السياسية وحنكتها بما جعلني أتأكد انّه لا علاقة لها بصقور حزبها.. كما أتفق مع تعيين ماجدولين الشارني في التشكيلة الحكومية لكن ليس في وزارة الرياضة حتى وان عين السيد عماد الجابري المتمرس في ميدان الهندسة الكهربائيّة وأيضا في الرياضة في منصب كاتب دولة مكلّف بالرياضة.. كما يجب ذكر أسماء فيصل حفيان وشكري بن حسن وهاشم حمدي وفاتن قلال وأنور معروف وكلهم من خيرة شباب تونس.. بقي انّ منصبي وزير مكلف بالعلاقات مع مجلس الشعب ووزير مكلف بالمؤسسات الدستورية والمجتمع المدني لا معنى لهما وأعتبرهما من قبيل الحشو.. أما وزير الثقافة الجديد السيد محمد زين العابدين فهو من خيرة المثقّفين التونسيين وله «ممارسة» ثقافية ميدانية تحسب له.. وفي المقابل هناك تساؤلات عديدة حول قدرة السيد سمير بالطيب على ايجاد حلول للفلاحة التونسية، وأمّا أنا فأعتبره أفضل بكثير من وزير الترويكا محمد بن سالم الذي أبدى عجزا كبيرا عن فهم مشاكل القطاع وتحسسها.
مهما يكن من أمر، من السابق جدا لأوانه اصدار أيّ حكم على الحكومة الجديدة قبل الاطلاع على القائمة النهائية وأعتقد انّ أغلب التونسيين سيحدّدون منها مواقفهم انطلاقا من سهرها على :
1) القضاء على الفساد والرشوة بصفة جدّية بما في ذلك على مستوى الأمن والديوانة والإدارة.
2) مواصلة حرب شرسة على الارهاب وإزاحة كل من له علاقات مشبوهة مع الارهابيين أو حتى المتطرّفين
3)مراقبة جدّية لمسالك التوزيع والضغط على الأسعار
4) ارساء هدنة اجتماعيّة تقفّص الاحتجاجات الاجتماعيّة المكبّلة للاقتصاد بصفة ملحوظة.
5) ارساء العدالة الجبائية مهما كانت معارضة أصحاب المهن الحرّة
6) التنمية الجهوية باعتماد اللامركزيّة والتشغيل
7) الحدّ من المديونية المدمّرة وعدم الخضوع لإملاءات المؤسّسات المالية الدولية
8) اجبار كبار المهرّبين والمافيا على المساهمة في انعاش الاقتصاد أو محاكمتهم وذلك مهما كانت علاقاتهم بكبار الأحزاب.
9) التحكّم في المساجد التي يديرها أيمّة متشدّدون «زرعتهم» الترويكا
10) الاهتمام بالثورة التعليمية وبالثّقافة والصحّة لأنّهما العمود الفقري لتونس في حربها على الظلامية والجهل والتخلّف.
11) الاهتمام بقطاع الإعلام الذي يتحكّم فيه المال الفاسد في أغلب مكوّناته.